عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
37
معارج التفكر ودقائق التدبر
أي : إنّ هذا القول العجيب الغريب المستنكر لا يقوله إلّا أحد اثنين : من يفتري على اللّه كذبا ، ومن به جنون ، فإمّا أن يكون محمّد سويّ الفكر إلّا أنّه يكذب على اللّه كذبا افترائيّا يختلقه اختلاقا من عنده ، وإمّا أن يكون قد أصابه الجنون ، فهو يقول أقوالا لا تقبلها العقول . وبما أنّهم لم يأتوا بجديد بشأن قضيّة البعث ، واقتصرت مقالتهم على ترديد ما سبق دفعه بالبرهان العقلي . وبالنّظر إلى ما أضافوه من شتيمة للرّسول ، كان من الحكمة في العلاج بيان أنّهم في محيط من الضّلال البعيد عن مواقع الحقّ والهدى ، فقال اللّه عزّ وجلّ في التّنزيل العلاجيّ مبيّنا ومنذرا : . . . بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ( 8 ) : وقال اللّه عزّ وجلّ منذرا بعذاب يكون به هلاكهم في الدّنيا قبل عذاب الآخرة : * أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 9 ) : في هذا البيان نظرات غضب من إصرارهم على كفرهم العناديّ ، الّذي ليس لهم فيه شبهة تعطيهم عذرا بنسبة واحد في المئة ، بل هم يتّبعون أهواءهم وشهواتهم وتقاليدهم العمياء ، استكبارا عن اتّباع الحقّ . * أَ فَلَمْ يَرَوْا : أي : انطمست أبصارهم وبصائرهم فلم يروا بأعينهم ولا بعقولهم . * إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ : أي : ناظرين إلى ما خلقه اللّه في كونه ، من السّماء والأرض ، وهو بالنّسبة إليهم بعضه